يوسف بن يحيى الصنعاني
304
نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر
وحكى إنّ أبا العتاهية « 1 » الشاعر المشهور كان يرى رأي الجهميّة فسأل المأمون أن يجمع بينه وبين أبي علي ثمامة بن أشرس المتكلّم ليقطعه ، فقال المأمون لأبي العتاهية : عليك بشعرك ، فلم يقبل ، فجمع بينهما بحضرته فقال أبو العتاهية : إني أقول أن كلّما في العالم من خير وشر فهو من اللّه ثم حرّك أصبعه وقال لثمامة من حرّك إصبعي ؟ قال ثمامة : من أمّه زانية ، فقال أبو العتاهية : شتمني يا أمير المؤمنين ، قال ثمامة : ناقض الماصّ بظر أمّه « 2 » فضحك المأمون وقال : ألم أقل لك عليك شعرك فلم تقبل منّي ! ثم قال لثمامة : ما منعك أن تجيبه برفق ؟ فقال : إن خير الأجوبة ما قام بالحجة وشفى الغيظ وانتقم من الجاهل « 3 » . قال البيهقي في المحاسن والمساوي عن بعض أهل الأدب قال : تجارينا الأدب واللّغة عند المأمون وكان بجارا فقال لي : ما أرادت هند بنت عتبة « 4 » في قولها :
--> ( 1 ) هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم العنزي بالولاء ، وقيل عنزي نسبا وولاء ، الملقب بأبي العتاهية . ولد بعين التمر سنة 130 ه وقيل 131 ونشأ بالكوفة ، ثم انتقل إلى بغداد . كان له اتصال بالبلاط العباسي . وكان شاعرا مجيدا مكثرا ، وهو أحد الثلاثة المكثرين المجودين - هو والسيد الحميري وبشار - حتى قيل : يكاد يكون كل كلامه شعرا . رماه خصومه وحساده بالفسق والزندقة ، وكانت مثل هذه التهم رائجة في زمانه . كل شعره في السنين الأخيرة من حياته في الزهد والوعظ والحكم والأمثال . توفي ببغداد سنة 211 على أصح الروايات . له ديوان شعر حققه د . شكري فيصل وعمل له تكملة ، وطبعته جامعة دمشق سنة 1965 م . ترجمته في : الأغاني 4 / 3 - 118 ، أعيان الشيعة 12 / 48 ، الشعر والشعراء / 675 ، طبقات ابن المعتز / 228 ، معاهد التنصيص 1 / 237 ، روضات الجنات / 102 ، شذرات الذهب 2 / 25 ، الكنى والألقاب 1 / 118 ، وفيات الأعيان 1 / 219 - 226 ، تاريخ بغداد 6 / 250 ، الموشح / 395 ، أنوار الربيع 2 / ه 96 . ( 2 ) يا ماصّ بظر أمه ، أو يا عاض بظر أمه : سبّة درج على تردادها العرب . ( 3 ) الأغاني 4 / 8 - 9 . ( 4 ) هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف : أم « معاوية » بن أبي سفيان . تزوجت أباه بعد مفارقتها لزوجها الأول « الفاكه بن المغيرة » المخزومي ، في خبر طويل من طرائف أخبار الجاهلية . وكانت فصيحة جريئة ، صاحبة رأي وحزم ونفس وأنفة ، تقول الشعر الجيد . وأكثر ما عرف من شعرها مراثيها لقتلى « بدر » من مشركي قريش ، قبل أن تسلم . وكانت ممن أهدر النبي صلّى اللّه عليه واله وسلم دماءهم ، يوم فتح مكة ، وأمر بقتلهم ولو وجدوا تحت أستار الكعبة ؛ فجاءته مع بعض